محمد عبد الله دراز

93

دستور الأخلاق في القرآن

السّؤال التّالي : على أي أساس ترتكز شريعة الواجب القرآني ؟ ومن أي معين تستقي سلطانها ؟ ولسوف يجيبك : بأنّ التّمييز بين الخير والشّر هو إلهام داخلي مركوز في النّفس الإنسانية ، قبل أن يكون شرعة سماوية ؛ وبأنّ الفضيلة - في نهاية المطاف - إنّما تتخذ مرقاتها من طبيعتها الخاصة ، ومن قيمتها الذاتية . وبأنّ العقل ، والوحي - على هذا - ليسا سوى ضوء هاد ، مزدوج ، لموضوع واحد ، وترجمة مزدوجة ، لواقع واحد أصيل ، تمتد جذوره في أعماق الأشياء . واسأله بعد ذلك : عن صفات هذه الشّريعة ، وامتداد سلطانها ؟ ولسوف يقول لك : إنّها شريعة عامة ، وأبدية ، تكفل للبشرية مطامحها المشروعة ، ولكنها تعترض بكلّ وضوح ، وتأكيد على شهواتها الجامحة ، والمتحكمة . وزد في سؤاله عن المسؤولية الإنسانية ، وعن شروطها ، وحدودها ، وعن الوسيلة النّاجعة لكسب الفضيلة ، وعن المبدأ الأسمى الّذي ينبغي أن يحمد الإرادة عن العمل ؟ . . أو سله عن أي مبدأ عام لا يملك أي أخلاقي بصير بعمله أن يغفله ؟ . ولسوف تجد فيه لكلّ سؤال حكما محددا ، وقاطعا ، يفرض نفسه إجابة فريدة ، من شأنها أن تؤلف بين أكثر المشاعر نباهة ، واتزانا . والّذي استولى في النّهاية على إعجابنا ، هو ما رأينا من التّباين المذهل بين